محمد جمال الدين القاسمي

475

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

أشخاصها وأنواعها . . . وغير ذلك مما وضعت له العلوم . وتسابقت في الوصل إلى دقائقه الفهوم . فإن ذلك كله من وسائل الكسب وتحصيل طرق الراحة . هدى اللّه إليه البشر بما أودع فيهم من الإدراك . يزيد في سعادة المخلصين ، ويقضي فيه بالنكد على المقصّرين . ولكن كانت سنة اللّه في ذلك ، أن يتبع طريقة التدرج في الكمال . وقد جاءت شرائع الأنبياء بما يحمل على الإجماع بالسعي فيه ، وما يكفل التزامه بالوصول إلى ما أعد اللّه له الفطر الإنسانية من مراتب الارتقاء . أما ما ورد في كلام الأنبياء من الإشارة إلى شيء مما ذكرنا في أحوال الأفلاك أو هيئة الأرض - فإنما يقصد منه ، النظر إلى ما فيه من الدلالة على حكمة مبدعة ، أو توجيه الفكر إلى الغوص لإدراك أسراره وبدائعه . وحالهم ، عليهم الصلاة والسلام ، في مخاطبة أممهم ، لا يجوز أن تكون فوق ما يفهمون . وإلا ضاعت الحكمة في إرسالهم . ولهذا قد يأتي التعبير الذي سيق إلى العامة ، بما يحتاج إلى التأويل والتفسير عند الخاصة . وكذلك ما وجه إلى الخاصة ، يحتاج إلى الزمان الطويل حتى يفهمه العامة . وهذا القسم أقل ما ورد في كلامهم . على كل حال ، لا يجوز أن يقام الدين حاجزا بين الأرواح ، وبين ما ميزها اللّه به من الاستعداد للعلم بحقائق الكائنات الممكنة بقدر الإمكان . بل يجب أن يكون الدين باعثا لها على طلب العرفان . مطالبا لها باحترام البرهان . فارضا عليها أن تبذل ما تستطيع من الجهد في معرفة ما بين يديه من العوالم . ولكن مع التزام القصد ، والوقوف في سلامة الاعتقاد عند الحد . ومن قال غير ذلك فقد جهل الدين ، وجنى عليه جناية لا يغفرها له رب الدين . انتهى . ولما تضمن قوله تعالى : إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ . . . الآية ، إثبات نبوته والاحتجاج على تعنتهم عليه ، بسؤال كتاب نزل عليهم من السماء ، كأنه قيل : إنهم لا يشهدون بذلك . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة النساء ( 4 ) : آية 166 ] لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً ( 166 ) لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ من القرآن المعجز الناطق بنبوتك . قال الزمخشريّ : معنى شهادة اللّه بما أنزل إليه ، إثباته لصحته ، بإظهار المعجزات . كما